وسائل الإعلام وصناعة الوعي في زمن الفوضى الرقمية

3 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

بقلم ناصر السلاموني

بين حماية الأوطان وهدمها من الداخل
لم تعد وسائل الإعلام، التقليدية والرقمية، مجرد أدوات لنقل الخبر أو عرض الرأي، بل تحولت إلى قوة مؤثرة في تشكيل وعي الشعوب، وبناء الانتماء أو هدمه، وتعزيز التماسك الاجتماعي أو تفكيكه. وفي زمن تتكاثر فيه الأخبار الكاذبة، والتسريبات المضللة، وحروب الشائعات، بات الإعلام أحد أخطر ميادين الصراع على العقول، لا يقل تأثيرًا عن ميادين السياسة والاقتصاد والأمن.
لقد أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي ثورة غير مسبوقة في صناعة الأخبار، حين انتقلت المعلومة من يد المؤسسات الإعلامية إلى فضاء مفتوح، يتساوى فيه الصحفي المحترف مع المستخدم العادي وصانع المحتوى. ورغم ما أتاحه هذا التحول من سرعة في نقل الأحداث وكسر للاحتكار الإعلامي، إلا أنه فتح الباب أمام فوضى خطيرة، خاصة في ظل هيمنة منطق «التريند» والسعي وراء الكسب المادي، حيث أصبحت المشاهدة والإعجاب والمشاركة معيارًا للنجاح، لا الدقة ولا المصداقية.
في هذا المشهد المعقّد، تتعدد مصادر الأخبار وتختلف أهدافها. فهناك مواقع إلكترونية غير مسجلة رسميًا، لا تخضع لأي ضوابط قانونية أو مهنية، هدفها الأساسي تحقيق الربح السريع عبر الإثارة والعناوين الصادمة، وغالبًا ما تنقل أخبارًا دون تحقق، أو تعتمد على مصادر مجهولة الهوية؛أو تصنع أخبارا زائفة . هذه المنصات لا تكتفي بتضليل الرأي العام، بل تساهم في نشر الخوف والارتباك وفقدان الثقة.
وفي المقابل، توجد مواقع إلكترونية غير مسجلة أيضًا، لكنها جادة وتحاول الالتزام بأخلاقيات النشر والتحقق من الأخبار، غير أن غياب الإطار القانوني المنظم يضعها في خانة واحدة مع مواقع الفوضى، ويجعلها عرضة للتهميش أو التضييق، بدل احتضانها ودعمها.
أما المؤسسات الإعلامية الكبرى المسجلة رسميًا، فتظل الركيزة الأساسية لصناعة الخبر المهني، بما تمتلكه من هياكل تحريرية، وآليات تحقق، ومسؤولية قانونية. غير أنها تواجه منافسة غير عادلة من منصات غير مهنية تسبقها بالخبر الكاذب، وتكسب من التضليل ما لا تكسبه الحقيقة.
ولا يقل خطرًا عن فوضى المواقع، ما نشهده من تصاعد دور صنّاع المحتوى، الذين يتناول بعضهم قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية شديدة الحساسية، دون امتلاك أدوات المعرفة أو الخبرة، لكن بدافع زيادة عدد المتابعين ومن ثم زيادة الدخل. فيظهر الواحد منهم وكأنه خبير في كل شيء، يخلط الرأي بالمعلومة، والتحليل بالتخمين، ويقدّم الانطباعات الشخصية في صورة حقائق، فيُربك الرأي العام ويشوّه الوعي.
الأخطر من ذلك، وجود مواقع وحسابات وصنّاع محتوى يتخفّون خلف شعارات الحرص على الشعوب والأوطان، بينما يمارسون دورًا تخريبيًا منظمًا، يقوم على بث الفتن، والتشكيك الدائم في قدرات الدول، والطعن المستمر في نوايا القيادات، واستغلال الأزمات لتضخيم الإحباط واليأس. هؤلاء لا يمارسون نقدًا بنّاءً ولا إصلاحًا حقيقيًا، بل يعملون ضمن أجندات معادية تستهدف التفكيك الاجتماعي، وضرب الولاء والانتماء، وتحويل المواطن إلى كتلة غضب بلا وعي ولا أفق.
إن خطورة هذه الممارسات لا تكمن فقط في الكذب، بل في تلبيس الفتنة ثوب النصيحة، والخيانة ثوب الحرص، مستغلين سرعة انتشار المحتوى وضعف الوعي الإعلامي لدى بعض المتلقين. وهكذا تتحول وسائل الإعلام ومنصات التواصل إلى أدوات في حروب الجيل الرابع والخامس، حيث تُستخدم الإشاعة بدل الرصاصة، والتسريب الموجّه بدل الحقيقة، لإرباك الشارع، وضرب الثقة في المؤسسات، وتهيئة المناخ للفوضى أو الانفجار المجتمعي.
فالإعلام، في جوهره، قادر إما على بناء الانتماء والولاء الوطني عبر خطاب متوازن يربط النقد بالإصلاح، ويبرز قصص النجاح، ويحترم الرموز والمؤسسات، أو على هدم هذا الانتماء حين يصوّر الوطن باعتباره فاشلًا بالمطلق، ويحوّل كل أزمة إلى نهاية، وكل خطأ إلى خيانة. وهنا يتحدد دور الإعلام في دعم التماسك الاجتماعي أو تفكيكه، عبر ما يختاره من قضايا، وطريقة معالجتها، واللغة التي يخاطب بها الناس.
وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى تنظيم حكومي واعٍ وشامل لوسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، رقابة تحمي المجتمع من الأكاذيب والشائعات والتسريبات الضارة بالأوطان، دون أن تتحول إلى قمع أو تكميم للأفواه. كما يصبح من الضروري فتح باب التسجيل الحكومي للمواقع الإلكترونية الجادة، وإزالة العراقيل الروتينية أمام حصولها على التراخيص، بل وتقديم يد العون لها حتى تُدمج في الإطار القانوني والاستفادة منها.
وفي السياق ذاته، فإن الترحيب بالكتّاب وصنّاع المحتوى الجيدين، واحتضانهم لا ملاحقتهم، يمثل استثمارًا حقيقيًا في الوعي الوطني. فهؤلاء يمكن أن يكونوا شركاء في توضيح الحقائق، وفضح الأكاذيب، ومخاطبة الشباب بلغة عصرية، والمساهمة في حماية المجتمع من التضليل، إذا ما توفرت لهم بيئة داعمة وتدريب مهني ومسؤولية واضحة.
ولا تكتمل معركة الوعي دون الإشارة إلى دور المواطن نفسه، الذي لم يعد متلقيًا سلبيًا، بل شريكًا في صناعة الوعي أو تزييفه، من خلال ما يعيد نشره، وما يمنحه ثقة، وما يتعامل معه دون تحقق. فوعي المواطن هو خط الدفاع الأول قبل أي تشريع أو رقابة.
ختامًا، فإن معركة الإعلام اليوم ليست مع خبر كاذب هنا أو إشاعة هناك، بل مع مشروع كامل يستهدف العقول قبل الأوطان. فإما إعلام وطني مسؤول يكون صمام أمان يحمي التماسك الاجتماعي ويعزز الانتماء، أو فوضى رقمية تُترك لتجار التريند وأصحاب الأجندات المشبوهة، فتتحول الكلمة إلى معول هدم صامت. وفي زمن تتسابق فيه الأكاذيب، تبقى الحقيقة وحدها قادرة على حماية الأوطان… إذا وجدت من يحسن الدفاع عنها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

عزيزي الزائر،،يرجى إيقاف حاجب الإعلانات ،، فمساهمتك تعمل على استمرار تقديم خدماتنا