أخر الأخبار

الغربة .. بقلم د.محمود التطاوي جراح القلب واستاذ بجامعه كمبردج

الغربة ليست غربة الوطن ،فالوطن قد تغادره أقدامنا لكن قلوبنا تظل فيه.
فـ الكثير والكثير يشعر بالغربة داخل الوطن وما اصعبها من غربة ..
غربة تختلط فيها اقدار الناس ..,,
فيصبح الكبير صغيراً ويغدو فيه الجاهل عالماً .. ويصبح العالم لا قدر له الا خارجه .. ويموت فيه أصحاب المواهب ويقفز على قمته الفاسدون فيصبح الانسان غريب في وطنه وكأنه ليس وطنه الذي إعتادت عليه نفسه فتمر فيه الدقائق كأنها دهر طويل لا ينقضى ويذوق فيها القلب ألوان القهر. قد يتأخر الفرج وتنقبض الصدور وتنحبس السعادة…. ولكن الفرح حتماً سيأتي بألف طريقة طالما أننا نؤمن بأن الله على كل شيء قدير.
ولكنى اتحدث اليوم معكم عن غربة اشد ايلاما وشوقا هى الغربة داخل النفس ..
الغربة داخل النفس هى الغربة الحقيقة .. إن النفس هي الموضوع و هي ميدان المعركة و محل الابتلاء، و الدنيا ورقة امتحانها، و مطلوب الدين هو الإرتقاء بهذه النفس و الارتفاع بها من شهوات البطن و الفرج و من شهوات الجمع و الاكتناز، و من حمى الاستعراض و الكبر و التفاخر ليكون لها معشوق أرقى هو القيم و الكمالات، و معبود واحد هو جامع هذه الكمالات كلها..
و إنما تدور المعركة في داخل النفس و في شارع الدنيا حيث يتفاضل الناس بمواقفهم من الغوايات و المغريات و ما تعرض عليهم شياطينهم من خواطر السوء و من فرص اللذة كل لحظة.
ان الفلسفة هنا هى فلسفة مادية بحتة.. هى فلسفة استمرار و بقاء الانسان فهو نسي انه يموت و يمضي إلى عدم.. بل إلى حياة أخرى سوف تتعدد فصولا و تمضي به كدحا و جهادا حتى يلقى ربه: (( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه))
الحضارة المادية لم تقدم للإنسان إلا الغربة والضياع حياة تمضي سدا و تنتهي عبثا.. أما الله فقدم للإنسان الخلود و حياة تمضي لحكمة و تنتقل من طور إلى طور وفقا لنواميس ثابتة من العدل الإلهي، حيث لا يذهب أي عمل سدى و لو كان مثقال ذرة من خير أو شر.. فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره.
و اليوم تصل الحضارة المادية إلى ذروة من القوة و العلم و تكتمل لها أدوات الفعل و التأثير من ميديا وسوشيال ميديا و تليفزيون و سينما و مسرح وافاق بلا حدود ، فهي لا تفتأ تغتال العقل و الروح و تتحالف على الإنسان بخيلها و رجلها، و لكنها برغم كل شيء ضعيفة متهافتة واهية لأنها تغتال نفسها ضمن ما تغتال و تأكل كيانها، وسوف تقتتل مع بعضها البعض و تتحارب بالمخلب و الناب فالطمع و الجشع حياتها و موتها.
هل نحن أغبياء إلى هذه الدرجة؟. أم هي غواشي الغرور و الغفلة و الطمع و سباق الأوهام؟. و كل ما نفوز به في هذه الدنيا وهمي، و كل ما نمسك به ينفلت مع الريح
و الذين يتقاتلون ليسبق الواحد منهم الآخر أكثر عمى، فالشارع سد عند نهايته و كل العربات تتحطم و يستوي فيها السابق باللاحق، و لا يكسب أحد منهم إلا وزر قتل أخيه.. بل إن أكثر الناس أحمالا و أوزارا في هذه الدنيا هم الأكثر كنوزا و الأكثر ثراء، فكم ظلموا أنفسهم ليجمعوا، و كم ظلموا غيرهم ليرتفعوا على أكتافهم.
و لعلنا سمعنا مثل هذا الكلام و نحن نلهث متسابقين على الطريق.. فهو كلام قديم قدم التاريخ رددته جميع الأسفار و قاله جميع الحكماء و لكنا لم نلق له بالا و لم يتجاوز شحمة الأذن.
و مازلنا نسمع و لا نسمع برغم تطور أدوات الاستماع و كثرة الميكروفونات و مكبرات الصوت، و لاقطات الهمس الإلكترونية من فوق الفضاء و من تحت الثرى.
و مازلنا نزداد صمما عن إدراك هذه الحقيقة البسيطة الواضحة و كأنها طلسم مطلسم و لغز عصي على الأفهام.
هل نحن مخدرون؟.
أم هناك ما هو أقوى أثرا و أكثر شراسة من الخمور و المخدرات، هي مادية العصر التي طبعت الناس بذلك الشعار المسكر؟ غامر و اكسب.. و انهب و اهرب.. و سارع إلى اللذة قبل أن تفوتك.. و عش لحظتك بملئها طولا و عرضا و لا تفكر ماذا بعد فقد لا يكون هناك بعد.
نعم تلك هي الخدعة التي يستدرج إليها الكل.. إنه لا شيء سوى ما نرى و نسمع و نذوق و نلمس من ماديات، و أنه ليس وراء هذه الدنيا شيء و نفوسنا الأمارة استراحت إلى هذه الفلسفة لأنها تشبع لها رغائبها و تحقق لها مشتهياتها، و الحيوان في داخلنا اختارها لأنها تشبع غرائزه.
ولكن هل من مفر وهل من ملتقى مع النفس ؟؟
ألم يسأل داوود ربه: يارب كيف أصل إليك. فقال له ربه.. اترك نفسك و تعال.. أن يترك هذه النفس لأنها العقبة.. (( فلا اقتحم العقبة. و ما أدراك ما العقبة. فك رقبة)) فى ساعات الصفاء نعم تحدث حينما تنقشع الغواشي عن القلب و تنجلي البصيرة، و نرى كل شيء أمامنا بوضوح، تبدو لي الدنيا بحجمها الحقيقي و بقيمتها الحقيقية، فإذا هي مجرد رسم كروكي أو ديكور مؤقت من ورق الكرتون، أو بروفة توزع فيها الأدوار لاختيار قدرات الممثلين، أو مجرد ضرب مثال لتقريب معنى بعيد و مجرد و هي في جميع الأحوال مجرد عبور و مزار و منظر من شباك في قطار و هي الغربة و ليست الوطن.
و هي السفر و ليست المقر.
.نعم يوم ما تنكشف الحقائق و ينهدم مسرح العرائس و يتمزق ديكور الخيش و الخرق الملونة، و تنهار علب الكرتون التي ظنناها ناطحات سحاب و تنتهي الدنيا.
و حينئذ و عندما تهتك الأستار و تقام الموازين، سوف نعرف ما الدنيا و ماذا تساوي.. و ماذا يساوي كل الزمن حينما نضع أقدامنا في الأبد.
و حينئذ سوف نتذكر الدنيا كما نتذكر رسما كروكيا، أو مسرح خيال الظل، أو نموذج مثال مصنوع من الصلصال…
و سوف نعلم أنها ما كانت سوى النقطة التي فيها كل أملاح البحر المحيط، و لكنها لم تكن أبدا البحر المحيط..
د.محمود التطاوى

طوبيا اكسبريس
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock