تميمة مولانا الناجي قصة قصيرة بقلم ” غاده سمير”

امتلأت ردهه المنزل بعدد كبير من رواد الشيخ ناجي ، الذين جاءوا من كل مكان وبلده للتبرك وحل مشكلاتهم الروحانيه ،كانت هي علي بعد أمتار قليله من خلوه الشيخ ،تختبئ داخل عباءة سوداء واسعه ، تخفي جسدها النحيل، ووجهها الذي تظهر عليه علامات الوهن الشديد ،تحيطها امرأه عجوز بذراعيها، تنظر إليها في رثاء ،وكأنها تطمئنها برسالة صامته أن كل شيء سيكون علي ما يرام .
إخترق صمت الجميع وسكونهم صوت عبد المجيد خادم الشيخ ناجي وتابعه وكاتم أسراره الوحيد، وهو يعلن اسم من جاء دوره، ليدخل إلي خلوة الشيخ .
عبد المجيد رجل تعدي العقد الخامس من عمره ، قصير القامة ممتلئ القوام ، يضع عمامة كبيره بشكل غريب وغير معتاد، يثير الدهشة و الإنتباه من قبل كل رواد ومريدين الشيخ .
يتقدم رجل كبير تظهر عليه علامات الثراء والوقار، مرتديا بنطالا أسود واسعا، وجاكيت أسود أيضا من الجلد الطبيعي النقي الصنع ،ويضع علي عينيه نظارة أنيقة تنتمي إلى إحدى الماركات العالمية ،يهمس ببعض الكلمات، وهو يضع يده اليمني داخل جيبه، ليخرج بعض من النقود، ثم يضعها في كف عبد المجيد، الذي يبتسم ابتسامه ماكره، وكأنه يخبر الرجل بأنه بالطبع سيكون أول من يدخل الي خلوه الشيخ بعد أن يخرج من بالداخل من الزبائن.
وفجأة تصيح السيدة بزعر “”” مريم ! مريم””” !، ويلتفت الجميع حولها في محاوله لإفاقة الفتاه الصغيره، التى وقعت علي الأرض دون حراك ، وحاول البعض تحريكها يمينا ويسارا اعتقادا منهم أنها فارقت الحياه .
أسرعت إحدى السيدات بإخراج قنينه صغيره من العطر ،وسكبت بعض منها في يدها ،ووضعتها علي أنف الفتاه ، التي لم تستجب إطلاقا في البدايه ، مما أثار مخاوف السيده العجوز التي احتوتها بين ذراعيها بحنان وهي تردد “””الله ينتقم من اللي كان السبب “””.
نظرت الفتاه يمينا ويسارا، ثم قفزت واقفه، وهي تضحك بشده وتغني وترقص بمجون ، وكأنها أصبحت شخصا آخر وكأنها تبدلت تماما وسط تعجب الحاضرين .
خرج من بداخل غرفه الشيخ، لينظر عبد المجيد نظرته التي تمتليء بالمكر والدهاء إلي الرجل الأنيق ذو الملابس السوداء، ليبتسم هو الآخر بدوره ابتسامه تدل علي الرضا والاستحسان.
وفجاه تسرع احدي السيدات إلى عبد المجيد وهي تصيح وتضع يديها بقوه علي عمامته الكبيرة المثيرة وهي تقول “”” تصدق إنك راجل معندكش دم بقي يا راجل بتستغفلو الناس حتي في التعب والمرض ، خدت الفلوس ودخلته اللهي يا بعيد تصرفهم علي المرض””!!.
ينظر إليها عبد المجيد وهو يبعد يديها عن عمامته ويردد ببرود شديد ولا مبالاة ..””ده دوره حتسكتي وتروحي تقعدي مكانك ولا مفيش مقابله للشيخ خالص “”!تذهب السيده إلى مقعدها حيث تجلس وهي ترمقه بنظره كراهية وحقد ،بينما انشغل الباقون بمتابعة مريم وهي ترقص وتغني، وتتابعها دموع العجوز في حزن ورثاء.
يفتح باب الشيخ ليدخل الرجل ذو الملابس السوداء، يرمقه الشيخ بنظره وإيماءه ،وكأنه يخبره أنه يدرك كل شيء عنه ، ثم يشير إليه بالجلوس فيجلس الرجل ،وقد بدت علامات القلق والتوتر عليه، ليبدأ في الحديث ويسرد على الشيخ ما جاء من أجله ، ويقص عليه كل انتهي إليه من مشاكل ماليه وكساد لتجارته وانفصاله عن زوجتيه ،وشعوره المستمر بالتعب والإرهاق الذي لا يفارقه، فيبتسم الشيخ ناجي وهو يردد في رثاء “” كيدهن عظيم “””!.
وكأنه أسمع الرجل ما جاء باحثا عنه وهو إلقاء تبعات كل ما لحق به، وسيلحق به الي احدي زوجتيه، وبعد مرور نصف ساعه لا يعلم أحد غير الله ما دار بين الرجلين ،يغادر ذو الملابس السوداء خلوة الشيخ، وقد ارتسمت علي وجهه علامات الرضا والأمل!
وتدخل السيده العجوز بصحبة الفتاه الصغيرة “مريم “إلى خلوه الشيخ وما إن رآها حتي صاح بصوت افزع المرأه وهز كيانها “إنت إيه اللي جابك هنا يا سميحة انا نبهت عليكي كتير متجيش هنا تانى ودوا بنتك مش عندي اخرجي وآخر مره اشوفك واشوفها،وبلهجه قد امتلأت بالوعيد صاح “”فاهمه “”.
تقترب السيده وهي تبكي وتركع أمامه محاوله تقبيل يده “أبوس ايديك ده الدم عمره ما يبقى ميه ومريم بنت اخوك حكتب لك كل نصيبي ونصيبها بيع وشرا بس رجعها تاني سليمه .
وبلهجه تمتليء بالكراهيه يصيح ناجي في وجه المرأه وهو يحاول ازاحتها عنه “”قلت لك دواها مش عندي واللى عندكم خلاص مبقاش لازمني خديها واطلعي بره احسن ما اخليكي تندمي.
تنظر إليه السيده وهي تحاول النهوض مصطحبه الفتاه الواهنه وتتجه ناحية باب الخروج وهي تردد “”حسبي الله ونعم الوكيل “.
يتجه عبد المجيد إلى غرفه الشيخ وهو يهمس في أذنه ببعض الكلمات التي جعلته يتنفض واقفا وهو يردد “أنت متأكد انه هو بنفسه ويضحك بصوت مرتفع وصياح….”””جه لحد عندي برجله “””.
وذهب الي مقعده الذي صمم علي غرار مقاعد الأمراء والملوك، واشعل سيجاره الفاخر في كبرياء وتعالي وهو ينظر إلى دخان السيجار الذي امتلأت به أرجاء الغرفه ،روح قول لنجم القرن الشيخ ناجي في إنتظارك.
يدخل النجم الشاب الوسيم الذي تعدي العقد الثالث من العمر، مرتديا ملابسه ذات الطابع الغريب، الذي اشتهر بها بين صفوف معجبيه من المراهقين والشباب ،وقد وضع حول عينيه نظاره كبيره انيقه سوداء، محاوله منه لإخفاء ملامحه ،يحيطه حرسه الخاص الذي يشير لهم عبد المجيد بحركة ممنوع الدخول ومرافقه النجم إلي خلوة الشيخ .
ينظر النجم الشاب إلى عبد المجيد معاتبا بصوت هامس،، ” مش كان أفضل أن الشيخ يجي لي هو الفيلا لو الصحافه شمت خبر حتبقي كارثه،ينظر إليه عبد المجيد مطمئنا ومرددا “”ومين حيعرف الصحافه يا نجم النجوم كل اللي شافك وحيشوفك لا كأنه لا شاف ولا عرف أنت في حضره مولانا الشيخ ناجي .
يدخل النجم الشهير إلي غرفه الشيخ ويجلس ليسرد ما جاء من أجله باحثا كغيره عن السعاده التي ينشدها في هذه الدار ومع هذا الرجل .
وينصرف النجم ويدخل بعده الكثيرين من النساء والرجال الطامعين في مساعدة الشيخ، والكل يخرج علي وجهه علامات الرضا، حاملا تميمة الشيخ التي ستفتح له كل الأبواب المغلقة كما يعتقد ويأمل فواحده لارجاع الغائب وأخرى لزياده الرزق وغيرها للمحبه و…
وبعد إنصراف آخر مريدي الشيخ، يندفع إليه عبد المجيد حاملا كيسا كبيرا وزجاجه كبيره من الماء ،ليفتح الشيخ الكيس ويبدأ في تناول الدواء، وهو ينظر إلى عبد المجيد الذي يقف أمامه متابعا ومرددا “”صحه وعافيه يا سيدنا “”!! .
تمت

 مقالات سابقة لغاده سمير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*